يوم الجمعة الماضي كان اخر ايامي في مصر .فقد تركتها جوا الي مدينة الدمام في طائرة الساعة الثامنة مساء" و تعتبر هذه اول مرة اركب فيها الطائرة و كانت التجربة جميلة جدا.اولا كان الاغلب علي مشاعري في هذا اليوم هو شعور الحزن الشديد و الذي اخفيته بمهارة لم اتوقعها من نفسي عن الجميع.لكن كادت مقاومتي لظهوره تنهزم في موضعين فقط:الاول حينما دخلت اقبل ابني عمر لحظة مغادرة المنزل و كان نائما في مهده(سنه ثلاث شهور فقط)كدت لحظتها ان ادمع الا انني غادرت المكان بسرعه لا تلفت الانظار الي عيني.و في المرة الثانية :مع اخر اتصال بيني و بين اخي و انا في صالة الانتظار وحدي لا اعرف احدا و لا يعرفني احد ..فالجميع مسافرون الي نفس المدينة،سالني انت بخير ؟قلت..نعم الطائرة بالخارج و تجهيزات الانطلاق تجري الان.
بعد اجراءات مغادرة مطار برج العرب ركبنا اتوبيس الي الطائرة و فيه اتصلت بابن عمي المقيم بالخُبَر اعلمه بانني ركبت الطائرة كي ينتظروصولي هناك.ربطنا الاحزمة و بدات الطائرة تتحرك يمينا و يسارا ببطء كانها اتوبيس كبير حتي وصلت لمدرج الانطلاق فانطلقت بسرعه علي الارض و ارتفعت في الهواء.
لحظة الارتفاع شعرت بدوار في راسي و كأن المخ نفسه يرتج و الانفاس تنقبض !!حالة تشبه حال من اصابه دوار و سخونة فالارض تميد من تحته الا ان الامر هنا بالعكس،فارضنا(الطائرة)تميد بنا و الدوار و الدوخة تاتيان صناعيا.و مره فمره ترتفع الطائرة و تدور حتي استقرت في الجو علي ارتفاعها المحدد.
من شباك الطائرة _ و كنت بجواره تماما بجوار جناح الطائرة الايمن تماما في المقعد 10 يسار _بدت المدن ليلا في منتهي الجمال.منظر بديع جدا لا استطيع وصفه و لا اظن ان الوصف الكتابي ممكن ،كانت الليل يصنع مع الانوار الكثيرة جدا المنبعثة من الاف المصابيح تحتنا لوحة فنيه مُضاءة اخذت تصغر و تصغر مع ارتفاع الطائرة لاعلي و تمنيت ساعتها ان اصور هذا المشهد بالموبايل الذي امرت قيادة الطائرة باغلاقه لانه يشوش علي اجهزتها اثناء الاقلاع ،غير انهم اذنوا بفتحه بعد الاثقلاع بقليل و حينما فتحته لم تكن هناك شبكة بالطبع.
مر الوقت و المدن تمر من تحتنا و تمر مسافات اخري ظلامها حالك بلا اي بقعة اضاءة و يبدو انها كانت اراضي زراعية او صحاري ،و تاتي بعدها مدن جديدة مختلفة عن الاولي في احجامها و تنظيمها .و كانت تبدو لنا من اعلي الطرق الطويلة جدا كانها مجرد قطع من خراطم الاضاءة المستعملة حاليا في الافراح و زينة المحلات الجديدة.و بين طرفي كل خرطوم منها توجد كتلة من الضوء نقطها صغيرة جدا جدا و كلما بدت مساحة من المدن الملونة كلما كانت متعة السفر اقوي و اجمل.
كانت توقعاتي لنفسي ان ابكي في الطائرة الا ان تجربة الرحلة الاولي بجمالها انستني لبعض الوقت حزني علي مغادرة البلاد الا ان طيف الاسرة يعاودني من ان لاخر طوال الرحلة.
مر الوقت حتي ادركني النعاس و الاغفاء قليلا حتي بدانا نشعر باننا نقترب و ان الطائرة تهبط..شعرنا بذلك من خلال مقدمة الطائرة التي بدات من ان لاخر تهوي لاسفل ثم تعتدل كما كانت و من خلال احساسنا بالدوار الذي يشبه احساس الاقلاع و ايضا حجم المدن و انوارها التي بدات تكبر تحتنا حتي ان هناك بعض كشافات الليزر التي تستخدم في الاعلان عن افتتاح محلات جديدة و تستخدم في حفلات الافراح بدات انوارها تستطع بقوة في السماء حولنا .
و هناك منظر غريب رايته لبعض المدن البعيدة التي لم تمر فوقها الطائرة !!فالضورء المنبعث من هذه المدن ينبعث لاعلي لمسافات محدودة لا يتخطاها ابدا في اي مدينة حتي تنظر لاي مدينة من الطائرة فتراها و كانها تلبس طربوش تركي مصنوع من النور.استطاع النور ان يتحرك الي مدي معين لم يتخطاه اذ لم تسمح له قوته باكثر منه مكونا مشهد في منتهي الجمال.
راينا سور المطار السلكي ثم الرصيف الذي تهبط فوقه الطائرات و علامات ضوئيه بطوله ثم احسسنا بارتجاجه خفيفه عرفنا بان الطيار القائد قد حرر عجلات الطائرة و اننا بالفعل قد ارتطمنا ارتطاما خفيفا تم بحِرَفِيةٍ عالية بالارض ثم توقفت الطائرة و نزلنا منها عبر ممر الي داخل قاعات الاستقبال و انتهينا من الاجراءات بعد الثانية مساءا.و خرجت وجدت ابن عمي و صاحبه في انتظاري.
في قاعة الاستقبال تعرفت علي شخص سمه هاني مدرس ايضا قادم للعمل بالخُبَر و طلب مني خدمة حينما علم بان لي ابن عم ينتظرني ..قال انه يريد فقط مكالمة موبايل لمن ينتظره حتي يؤكد لهم وصوله .لكنه قد سبقني للخروج و بحثت عنه حتي وجدته يتحدث الي شخص هو رفيق ابن عمي و الاثنان في انتظاري و قد عرض عليه زميل ابن عمي ان يقوما بتوصيله لان قريبه لم ياتِ ،و قد كان ذلك ما حدث.و في هذه التوصيلة نسي صاحبنا موبايله في سيارة ابن عمي و عاد قريبه و استلمه مني بعدها بايام من الاتصال المتواصل بيني و بينه و بين ابن عمي ايضا .
في الفجر صليت مع رفقائي في السكن و كان اول من تعرفت اليه منهم شخص اسمه رسول من نفس محافظتي ثم اكتشفت ان هناك سبعه من محافظتي في هذه المدرسة.ثم تعرفت الي الباقين في باقي الايام و عرفت من خلال هذا لاحتكاك البسيط معهم انهم مجموعة ودودة جدا تقيم تحت قيادة مدير السكن و هو رجل فوق الخمسين سنه يدير شئون الجميع لما فيه المصلحة و الجميع في وئام و بينهم اخلاص حقيقي اشعر به بالرغم من كثرة ما سمعت عن المصريين المغتربين من كلام سييء.
لكن يظل حالي هنا انني مهما تاقلمت مع المكان فانا انسان مغترب لي يوم ساعود فيه عودة نهائيه الي ارض الوطن يجب ان اعيش هذه الايام علي اي وضع كانت لتحقيق هدف جئت من اجله و الله المستعان.
دعواتكم.